الراغب الأصفهاني

33

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ثانيا من الفهم السابق لقيمة العقل في الإسلام كان اهتمام العلماء المسلمين على اختلاف أزمانهم واتجاهاتهم وها هي ذي مجرد أمثلة على صحة ما نقول : يقول الحارث المحاسبي في الرعاية لحقوق اللّه ( ت 243 ه ) « مثل العقل مثل البصر ومثل العلم مثل السراج ، فمن لا بصر له لا ينتفع بالسراج ، ومن له بصر بلا سراج لا يرى ما يحتاج إليه » « 1 » . وقد أفرد الماوردي ( ت 450 ه ) في كتابه « أدب الدنيا والدين » فصلا عن فضل العقل وذم الهوى ذكر فيه أن العقل أس الفضائل وأن اللّه قد جعله للدين أصلا ، وللدنيا عمادا ، وألف به بين الناس مع اختلاف هممهم ومآربهم ، وربط بين العقل ومعرفة حقائق العلوم ثم تحدث عن العقل الغريزي وهو الحد الحقيقي الذي يتعلق به التكليف ، والعقل المكتسب الذي يمثل التمرس والخبرات التي يكتسبها الإنسان من العمل ، كما ناقش محل العقل واختلاف العلماء فيه هل هو بالقلب أو بالدماغ ؟ وربط العقل بالأخلاق حيث أنه الرادع عن الهوى والمحارب للشيطان ، إلى غير هذا من مباحث أبرزت اهتمام الماوردي بالعقل الإنساني « 2 » . كما اهتم به ابن السمعاني منصور بن محمد بن عبد الجبار ( ت 489 ه ) حين تحدث عن طبيعة العقل هل هو جوهر يمكن أن يستقل بذاته أو هو نوع من العلم يدخل في جملة أقسامه ويذكر في ذلك بعض الآراء فيقول : « واختلفوا في حقيقته على أقاويل شتى : فقد روي عن الشافعي رحمه اللّه أنه قال : هو آلة التمييز .

--> ( 1 ) المحاسبي / الرعاية لحقوق اللّه / 69 ( 2 ) الماوردي / أدب الدنيا والدين / 3 / 17 تحقيق مصطفي السقا . الطبعة الأولى .